سيد محمد طنطاوي

8

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عن طريق ما أودع فيهم من عقول : وما أنزله لهم من شرائع ، وما حباهم به من أرزاق . . . ووبخت الكافرين على كفرهم مع كل هذه النعم التي أنعم بها عليهم ، وبينت ما سيكونون عليه يوم القيامة من حسرة وندامة ، وما سيكون عليه المؤمنون الصادقون من فرح وحبور . قال - تعالى - : تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ، والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّه عِبادَه الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ، ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَه فِيها حُسْناً ، إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُورٌ . 5 - ثم واصلت السورة حديثها عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - وعن ألوان نعمه على خلقه ، فتحدثت عن فضله - تعالى - في قبوله لتوبة التائبين ، وعفوه عن سيئاتهم ، وإجابته لدعائهم وإنزاله الغيث عليهم من بعد قنوطهم ويأسهم ، وخلقه السماوات والأرض وما فيهما من أجل مصلحة الناس ومنفعتهم ، ورعايته لهم وهم في سفنهم داخل البحر . قال - تعالى - : ومِنْ آياتِه الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ . إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِه ، إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ . 6 - ثم بين - سبحانه - صفات المؤمنين الصادقين ، وأثنى عليهم ثناء عاطرا ، يحمل العقلاء على الاقتداء بهم ، وعلى التحلي بصفاتهم . قال - سبحانه - : والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِثْمِ والْفَواحِشَ ، وإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ . والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ، وأَقامُوا الصَّلاةَ ، وأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . والَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ، فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى اللَّه إِنَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . 7 - وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، أتبع القرآن هذه الصفات الكريمة للمؤمنين ، ببيان الأحوال السيئة التي سيكون عليها الظالمون يوم القيامة ، ودعتهم إلى الدخول في الدين الحق من قبل فوات الأوان . قال - تعالى - : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه ، ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ . 8 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من مظاهر فضله على رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال :